محمد متولي الشعراوي

1709

تفسير الشعراوى

واحد في مجلسه ، وإن تكلم كلمة إلى ناحية فهو يعطى كلمة أخرى إلى الناحية المقابلة ؛ وذلك حتى يعرف كل جليس للرسول أن المؤمنين سواسية ، وأنّه صلّى اللّه عليه وسلم رسول إلى الناس كافة ؛ وليس رسولا إلى قوم بعينهم ، وحتى يعرف كل واحد من جلسائه أنه يجلس إلى رسوله الذي بعثه اللّه إليه . هكذا كان سلوك الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم حتى يعطى القدوة للناس ، وحتى يعرف كل إنسان أن التحام الناس بعضهم ببعض ؛ قد يسبب لواحد استغلال الالتحام في غير صالح الإيمان . لذلك يقول الحق سبحانه : يا أيها المؤمنون تنبهوا إلى أنكم في معسكر من غير المؤمنين يقاتلكم ويعاند إيمانكم ، وهؤلاء لا يمكن أن يتركوكم على إيمانكم ، بل لابد أن يكيدوا لكم ، وهذا الكيد يتجلى في أنهم يدسون لكم أشياء ، وينفذون إليكم . ونعرف جميعا أن الإسلام عندما جاء كان كثير ممن آمن له ارتباطات بمن لم يسلم ؛ فهناك القرابة ، والصداقة ، والإلف القديم والجوار ، والأخوة من الرضاعة ، لذلك يحذر الحق من هذه المسائل ، فلا يقولن مؤمن : هذا قريبى ، أو هذا صديقي ، أو هذا حليفى ، أو هذا أخي من الرضاعة ، فالإسلام يحقق لكم أخوة إيمانية تفوق كل ذلك ، ولهذا فإياكم أن تتخذوا أناسا يتداخلون معكم بالود ؛ لأن الشر يأتي من هذا المجال ، وإياكم أن تعتقدوا أن فجوة الإيمان والكفر بينكم ستذهب أو تضيق ؛ لأن الكفار لن يتورعوا أن يدخلوا عليكم من باب الكيد لكم ولدينكم بكل لون من الألوان ، وهم - الكفار - لا يقصرون في هذا أبدا ، لذلك يأتي الأمر من الحق : يا أيها الذين آمنوا ، احموا هذا الإيمان فلا تتداخلوا مع غير المؤمنين تداخلا يفسد عليكم أمور دينكم ؛ لأنهم لن يهدأوا . لماذا ؟ لأن حال هذه البطانة معكم سيكون كما يلي : « لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا » أي لا يقصرون أبدا في الكيد لكم ، والخبال : هو الفساد للهيئة المدبرة للجسم وهو العقل ، ونحن نسمى اختلال العقل « خبلا » . إن الحق يقول : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا وَدُّوا ما عَنِتُّمْ